المناوي

259

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

عسّر عليك أسباب الرّزق عقوبة لك على كفرانك . وقال : النّعم واصلة إليك بالقسمة ، اجتلبتها أم لا ، والبلوى حالّة بك وإن كرهتها . فسلّم للّه في الكلّ يفعل ما يشاء ، فإن أتتك نعمة فاشتغل بالذّكر والشّكر ، أو بلوى فبالصبر والموافقة ، وأعلى منهما « 1 » التلذّذ والرّضا بالقضا . وقال : لا يصلح لمجالسة الحقّ إلّا المتطهّر من دنس الزلّات ، ولا تفتح أبوابه تعالى إلّا لمن خلا عن الرّعونات والدّعاوى . وقال : دوام البلاء خاصّ بأهل الولاية الكبرى ، ليكونوا عاكفين على مناجاته . وقال : إذا رأى الحقّ ميل وليّه إلى أهل أو مال أراحه منهما غيرة عليه . وقال : قد يلاطف الحقّ عبده ، ويفتح قبالة قلبه باب الرّحمة والمنّة ، فيرى بعين قلبه مالا عين رأت ولا أذن سمعت من مطالعة الغيوب ، والقرب ، والخطاب اللطيف ، والوعد الجميل ونحوها ، ثم في لمح البصر يغيّر ذلك عليه ، ويفتح عليه باب البلاء والمحن والهمّ والحزن ، فيصير متحيّرا منكسرا إن تأمّل ظاهره وجد ما يسوءه ، أو باطنه رأى ما يحزنه ، وإن سأل كشف ما به من الضّرّ لم يجب ، وإن طلب الرّجوع إلى الخلق لم يمكّن ، وإن عمل بالرّخص تسارعت به العقوبة ، وسلّط عليه بالأذى ، وإن طلب الإقالة لم يقل ، وإن رام التنعّم بما به من البلاء لم يعط ذلك ، فيشتدّ البلاء ، وتأخذ النّفس في الذّبول والذّوبان حتى تفنى أوصاف بشريّته ، ويصير روحا فقط ، فهناك يسمع النّداء من قلبه : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ ص : 42 ] فيردّ اللّه عليه أزيد من تلك الخلع ، ويتولّى تربيته بنفسه فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] . وقال : إنّما كلامي على رجال من وراء جبل قاف ، أقدامهم في الهواء ، وقلوبهم في حضرة القدس ، تكاد قلانسهم « 2 » تحترق من شدّة شوقهم إلى ربّهم .

--> ( 1 ) في المطبوع : وعلامتهما . ( 2 ) في المطبوع : قلانهم .